مغرب المواطنة مدير النشر: خالد الرحامني / E-mail: info@mouatana.com
قافلة التضامن.. عندما تتحول الأخوة المهنية إلى فعل إنساني ملموس
مغرب المواطنة2025-12-30 11:21:01
للمشاركة:

قافلة التضامن.. عندما تتحول الأخوة المهنية إلى فعل إنساني ملموس

قافلة التضامن.. عندما تتحول الأخوة المهنية إلى فعل إنساني ملموس

في خضم تداعيات الكوارث الطبيعية، تبرز دوماً قيم التضامن كالشعلة التي تنير درب التعافي، لكن أن يأتي هذا الدعم من قلب المهنة نفسها، وبخطى منظمة وحنونة، فهذا ما يضفي على العمل الإنساني بعداً أعمق ورسالة أبلغ. ليست هذه قصة عن فيضانات اجتاحت مدينة ساحلية عريقة فقط، بل هي بالأحرى قصة عن فيضان آخر من نوعه: فيضان من التعاطف والمسؤولية الاجتماعية تجسد في "قافلة التضامن" التي انطلقت من مكناس إلى آسفي. مبادرة لم تكن رد فعل عاطفياً عابراً، بل كانت استجابة مهنية منظمة، قادتها نقابة الصيادلة بالتعاون مع الفيدرالية الوطنية لنقابات صيادلة المغرب ، لترسم نموذجاً فريداً في التكافل داخل الجسم الصيدلاني المغربي، وتُعيد تعريف معنى العضوية النقابية والانتماء الجمعوي، لتصبح علاقة زمالة مهنية ترقى إلى مستوى الواجب الإنساني والأخوي.
من القلب المهني.. ولدت الفكرة
في أعقاب الفيضانات التي أثرت على بنية الخدمات الصحية الأساسية بآسفي، بما فيها صيدليات كانت حلقة الوصل الحيوية للمواطنين مع الدواء، لم تكن الاستجابة تقليدية. فبدلاً من الاكتفاء بالبيانات التضامنية، تحركت الآليات الداخلية للنقابة الفرعية للصيادلة بمكناس بالشراكة الاستراتيجية مع الفيدرالية الوطنية لنقابات صيادلة المغرب المنغرس في العمل المهني المجتمعي. لقد فهم المنظمون أن تضرر صيدلية يعني عزل حي أو قرية عن دوائها، وتعطيل مسار علاجي للمرضى المزمنين، وتفاقم معاناة سكان منطقة بأسره. من هذا الفهم العميق للتداعيات، ولدت فكرة القافلة: ليس كمساعدات عابرة، بل كحلقة وصل استثنائية لاستمرارية الخدمة الصحية، وكبادرة لإسناد زملاء وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة ظروف قاسية تهدد وجود مهنيهم.
التنظيم.. حيث يلتقي الحس النقابي بالدقة اللوجستيكية
ما يميز هذه المبادرة هو التجسيد العملي لمبدأ "التضامن المنظم". لم تكن جمع تبرعات عشوائية، بل كانت عملية دقيقة بدأت بتقييم للاحتياجات الطبية والصيدلانية العاجلة للمنطقة المتضررة. تم حشد الموارد من خلال شبكة نقابية وجمعوية واسعة، مع ضمان جودة المنتجات الدوائية وتلبيتها لأولويات الصحة العامة. ثم جاء التحدي اللوجستي: تنظيم رحلة آمنة للقافلة وضمان وصول المحمل إلى يد من يحتاجه بالضبط. هنا برزت قيمة الشراكة بين المؤسستين (النقابة والفيدرالية)، حيث وظفت كل منهما خبراتها وشبكتها لتذليل العقبات. كانت النتيجة وصول القافلة في الموعد المحدد، في 29 ديسمبر 2025، حاملةً معها أكثر من الأدوية و الأغطية و المواد الغذائية : فهي حملت رسالة طمأنة مفادها "لستم وحدكم".
التسليم والتوزيع.. نموذج في الشفافية والإنصاف
لعل أبرز ما يمكن تسليط الضوء عليه في هذه التجربة هو النموذج الأخلاقي الذي حكم عملية استقبال وتوزيع المساعدة. فمع وصول الصناديق المحملة بالأمل، لم يكن الاستلام مجرد إجراء شكلي. تم مباشرة إجراء جرد دقيق ومفصل لكل صنف دوائي ومنتج للعناية الصحية، وتوثيق ذلك في محاضر واضحة. هذا الإجراء، الذي قد يبدو إدارياً بحتاً، هو في صميمه تعبير عن احترام عالٍ لمشاعر المتبرعين ولحق المستفيدين، وضمان للاستخدام الأمثل للموارد. الأكثر دلالة هو مبدأ التوزيع المتساوي (بنسبة 50/50) الذي اعتمد بين الصيدليات المتضررة. لقد تجاوز هذا المبدأ النفعية البسيطة إلى تأسيس مبدأ أخلاقي متقدم في العمل الإغاثي المهني، يعلي من قيم العدالة والوئام الداخلي بين الزملاء، ويقطع الطريق على أي شبهة أو إحساس بالتفرقة.
التأثير.. بين سد الحاجة المادية وإعادة بناء الأمل
لا تقاس قيمة مثل هذه المبادرات فقط بعدد الصناديق أو قيمة الدواء، بل بتأثيرها متعدد الأبعاد:
· ساهمت في سد النقص الحاد في الأدوية والمنتجات الأساسية، مما سمح للصيدليات المتضررة باستئناف خدمة مرضاها دون انقطاع خطير.
· البعد المعنوي والنفسي: كان وقع المبادرة كمساندة مهنية من "العائلة الصيدلانية" الأكبر عامل دعم نفسي هائل للصيادلات والصيادلة المتضررين، أشعرهم بأن مهنتهم درع يحميهم في الأزمات قبل أن تكون مصدر رزق.
· عبرت القافلة عن مسؤولية مهنة الصيدلة الاجتماعية، وأظهرت للمواطن أن هذه المهنة الحساسة قادرة على تنظيم نفسها ومد يد العون لأعضائها وبالتالي للمجتمع في أصعب اللحظات، مما يعزز ثقة المواطن في المنظومة الصحية بأكملها.
· أرست القافلة سابقة عملية يمكن البناء عليها، تقدم نموذجاً قابلاً للتكرار في أي منطقة تتعرض لكارثة، يعتمد على التنسيق بين النقابات المهنية والأندية الخدماتية.
دروس مستفادة ومسار للمستقبل
قافلة التضامن بين مكناس وآسفي ليست خبراً ينتهي بنشر الخبر. إنها حالة دراسية غنية بالدروس. فهي تثبت أن الروابط المهنية القوية قادرة على التحول إلى قوة دعم فعالة تتخطى الحدود الإقليمية. كما تؤكد أن الشراكة بين المؤسسات النقابية و مركزياتها (التي تملك الخبرة المهنية والشبكة الواسعة) والمؤسسات الجمعوية الخدماتية (التي تملك حنكة العمل الميداني والإنساني) يمكن أن تخلق نموذج تدخل فائق الكفاءة والتأثير.
الدرس الأكبر يتمثل في أن الاستجابة للأزمات يمكن أن تكون ذكية ومنظمة وقائمة على مبادئ الشفافية والإنصاف، مما يضاعف من قيمتها الأخلاقية ويحفظ كرامة المستفيد ويضمن استمرارية أثرها. هذه المبادرة تضع نبراساً للمستقبل، وتدفع نحو تساؤل مهم: كيف يمكن مؤسسات مهنية أخرى استلهام هذا النموذج لبناء شبكات تضامن داخلية تجعل من كل مهنة "مجتمعاً" متكافلاً ينهض بأعضائه وبالتالي بخدمة الصالح العام في أوقات المحن والرخاء على حد سواء. إنها، في النهاية، قصة تذكرنا أن أعظم القوافل هي تلك التي تحمل في بواطنها إنسانية المهنة وقلبها النابض بالمسؤولية .

قافلة التضامن.. عندما تتحول الأخوة المهنية إلى فعل إنساني ملموس

قافلة التضامن.. عندما تتحول الأخوة المهنية إلى فعل إنساني ملموس

قافلة التضامن.. عندما تتحول الأخوة المهنية إلى فعل إنساني ملموس

قافلة التضامن.. عندما تتحول الأخوة المهنية إلى فعل إنساني ملموس

قافلة التضامن.. عندما تتحول الأخوة المهنية إلى فعل إنساني ملموس

قافلة التضامن.. عندما تتحول الأخوة المهنية إلى فعل إنساني ملموس

قافلة التضامن.. عندما تتحول الأخوة المهنية إلى فعل إنساني ملموس

قافلة التضامن.. عندما تتحول الأخوة المهنية إلى فعل إنساني ملموس

قافلة التضامن.. عندما تتحول الأخوة المهنية إلى فعل إنساني ملموس

قافلة التضامن.. عندما تتحول الأخوة المهنية إلى فعل إنساني ملموس

 

مغرب المواطنة
للمشاركة: