مغرب المواطنة مدير النشر: خالد الرحامني / E-mail: info@mouatana.com
مناجم جبل عوام: حين يصرخ العمال… وتتأخر الإجابات
مغرب المواطنة2026-01-12 10:21:50
للمشاركة:

مناجم جبل عوام: حين يصرخ العمال… وتتأخر الإجابات

مناجم جبل عوام: حين يصرخ العمال… وتتأخر الإجابات

متابعة : اباحو اسامة

لم يعد ممكناً التعامل مع ما يعيشه منجم جبل عوام بمريرت بمنطق التطمين أو الانتظار. فحين تضطر الشغيلة إلى خوض إضراب إنذاري، ليس بدافع المغامرة ولا التصعيد المجاني، بل كآخر وسائل الدفاع عن الاستقرار المهني، فهذا مؤشر على أن الوضع بلغ مستوى مقلقاً، وأن الصمت لم يعد خياراً آمناً.
المكتب النقابي لمنجم جبل عوام، وهو يواكب هذه المرحلة الدقيقة، اختار سلوك مسار مسؤول، بعيد عن الشعبوية، عبر فتح قنوات مؤسساتية واضحة. زيارة مقر الاتحاد المغربي للشغل بالدار البيضاء، واللقاء مع الأمين العام وأعضاء الأمانة الوطنية، لم تكن خطوة شكلية، بل اعترافًا صريحًا بأن الأزمة تجاوزت حدود الإدارة المحلية، وباتت تتطلب ترافُعًا وطنياً على أعلى مستوى.
الرسالة التي خرج بها هذا المسار واضحة: منجم جبل عوام ليس مجرد وحدة إنتاجية يمكن التفريط فيها أو تركها رهينة نزاعات قضائية وإدارية، بل مرفق اقتصادي واجتماعي تاريخي، ارتبطت به حياة آلاف الأسر في مريرت، تيغزى، وآيت اسگوگو. ومع ذلك، يبدو أن هذا البعد الإنساني والاجتماعي ظل لسنوات خارج حسابات القرار.
التحرك النقابي لم يكتف بالاحتجاج، بل انتقل إلى مساءلة مباشرة لمراكز القرار. فتح حوار مع الرئيس المدير العام للشركة كان هدفه البحث عن حلول استعجالية تحفظ حقوق العمال وتضمن استمرارية المنجم، وهو التزام أكدته رئاسة المجلس الإداري. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: لماذا نصل دائمًا إلى حافة الهاوية قبل أن يبدأ الحوار؟
الأخطر في هذا الملف هو البعد القضائي والمالي، حيث يواجه المنجم دعاوى ثقيلة من طرف إدارة الجمارك ومكتب الصرف. هنا، تضع النقابة إصبعها على الجرح، حين تُحمّل السلطات العمومية جزءًا من المسؤولية، بسبب غياب المراقبة الاستباقية والمتابعة الجدية التي كان من شأنها حماية المنجم من تراكم ديون تهدد وجوده اليوم. فالدولة، حين تتأخر في الرقابة، لا تكون محايدة، بل شريكًا في الأزمة.
وفي مقابل هذا الضغط المركب، يُطلب من العمال التحلي بروح المسؤولية. وهو ما عبّر عنه المكتب النقابي بدعوته الصريحة إلى استدراك ساعات العمل وتعويض النقص في الإنتاج بعد الإضراب الإنذاري. مفارقة صارخة: شغيلة مهددة في استقرارها، تعاني من حوادث شغل وتوتر نفسي، ومع ذلك تُظهر حرصًا على استمرار المنجم أكثر من كثير من المتدخلين الرسميين.
هذا السلوك يفضح زيف الخطاب الذي يُشيطن العمل النقابي، ويؤكد أن الإضراب لم يكن هدفًا في حد ذاته، بل وسيلة اضطرارية لقرع ناقوس الخطر. فالعمال لم يطالبوا بالمستحيل، بل بحق أساسي: الوضوح، الأمان، وضمان مستقبل مهني لا تحكمه المفاجآت القضائية ولا الحسابات الضيقة.
ما يحدث في جبل عوام ليس أزمة عابرة، بل نتيجة نموذج تنموي هش، ربط مصير منطقة كاملة بمقاولة واحدة، دون تنويع اقتصادي أو حماية اجتماعية حقيقية. وحين يهتز هذا العمود الوحيد، ترتجف معه المدينة، السوق، والأسر.
اليوم، الكرة ليست فقط في ملعب الإدارة أو النقابة، بل في ملعب الدولة ومؤسساتها الوصية. فإما مقاربة شاملة تعيد الاعتبار للإنسان قبل الأرقام، وتتعامل مع المنجم كقضية تنمية لا كملف محاسباتي، أو استمرار في سياسة الترقيع إلى أن يصل الانهيار إلى نقطة لا ينفع معها ترافُع ولا بلاغ.
تحية لشغيلة منجم جبل عوام، التي أثبتت أن النضال لا يتناقض مع المسؤولية، وأن الدفاع عن الحق يمكن أن يسير جنبًا إلى جنب مع الحرص على الاستمرارية. أما الصمت، في مثل هذه اللحظات، فليس حيادًا… بل تواطؤ صريح مع الأزمة.

مناجم جبل عوام: حين يصرخ العمال… وتتأخر الإجابات

مناجم جبل عوام: حين يصرخ العمال… وتتأخر الإجابات

 

مغرب المواطنة
للمشاركة: