جسر من ورق
جسر من ورق
بقلم: زايد الرفاعي / قاص وكاتب صحفي
كان أكتوبر بارداً حد القسوة. بردٌ يتسلل من شقوق النوافذ ويجلس على الكتفين.
دخلت المركز الثقافي أبحث عن دفء عابر، فوجدت معرضاً تشكيلياً وألواناً لا تعرف التجمد.
وهناك كانت تقف. في مقتبل العمر، شعرها يلامس كتفها، وعيناها تسألان اللوحات أسئلة لا تجرؤ شفتاها على نطقها.
لم نتفق على شيء. لكن دفء غريب نسج بيننا، رغم أن خطوط القدر كانت مرسومة من قبل أن نولد.
لم نتبادل الوعود. تبادلنا فقط نظرة طويلة، وتحوّل البرد في صدري إلى حرارة لا تطفأ. حرارة نُسجت خيطاً خيطاً، رغم أن خياط القدر خاط ثوبها لغيري.
بعد أيام عرفت الحقيقة من سطر في حسابها: مرتبطة.
فابتلعت اسمي قبل أن أقوله، وانسحبت كما ينسحب اللائقون.
لكن بقيت كلماتها. قصصها القصيرة كانت تبكي على الورق ولا أحد يسمع أنينها.
بنبرة تمزج بين الصدق والعناد، قلت: إن كان الحب في مذهبهم حرام، فلتكن في مذهبنا الكلمة حلالا. إذن سأكون جسرها.
بدأت في الظل. لا أريد شكراً ولا تصفيقاً.
أوسّع لها مقعداً في الندوات، أهمس باسمها في أذن المنظمين، أقرأ قصتها بصوتي حتى تعتادها الآذان.
كنت أبني لها طريقاً من الحجارة الصغيرة، حجراً بعد حجر، وأنا أعلم أني لن أعبره معها.
ثم جاء ذلك اليوم. قاعة مكتظة، أضواء تحرق الوجوه، واسمها يُكتب على اللافتة بخط كبير، وصورتها مقابل صورتها، وأنا أقف عمدا خلف الصورتين، وكأنني جندي أحمي "حدودا" خوفا من فقدانها.
صوت قلمها على الورق كان موسيقى. كل الحاضرين نالوا نسخة موقعة، إهداء بخط يدها يفيض دفئاً.
إلا أنا. منظم الحفل، باني الجسر، واقف في الزاوية أصفق ولا أطلب شيئاً.
كأن اسمي سقط سهواً من قائمة الوفاء.
اشتريت الكتاب بعدها بأيام من مكتبة في الرباط. غلافه بارد، وتوقيعه غائب.
وضعته على الرف. هذه المرة لن أقرأه.
لا عقاباً لها... بل عقاباً لبؤسي الذي يليق بي.
عقاباً لقلب صدّق أن الجسور تُبنى لتُعبر، لا لتُحرق بعد العبور.
ومرت شهور لا تُحصى.
وفي ليلة بلا سبب، بلا كلمة، بلا وداع... كسرت الجسر.
لم تهدمه عاصفة، ولا قطعته سكين. فقط توقفت عن الرد.
صارت رسائلي تذهب إلى فراغ أعمق من أكتوبر.
صار اسمي ثقيلاً على أصابعها، فحذفته كما يُحذف سطر زائد في مسودة.
وها أنا اليوم أقف على الضفة التي بنيتها بيدي.
الماء تحتي بارد مثل أكتوبر الأول.
والجسر خلفي رماد.
لا أنتظر عودة، ولا أطلب تفسيراً.
فقط أتعلم كيف يقف الإنسان وحيداً على ضفة بناها لغيره...
ويبتسم للفراغ، كما ابتسمت له أول مرة.
صوت يوقظني من النوم: زياد.. زياد.. استيقظ...
أنهض أفرك عيني بهدوء وأردد: كان حلماً كان حلماً، لكنه حلم بئيس.
زايد الرفاعي / قاص وكاتب صحفي


