الدكتور الحاج الساسيوي.. رجل التوازنات الذي تحتاجه مكناس
الدكتور الحاج الساسيوي.. رجل التوازنات الذي تحتاجه مكناس
الدكتور الحاج الساسيوي.. رجل التوازنات الذي تحتاجه مكناس
[مؤرخ يعيد للمدينة ذاكرتها، وأستاذ يصنع لوطنه رجاله]
زايد الرفاعي / ماستر في الصحافة
1. هيبة الحضور
لا يلتقيه أحد مرتين إلا ويحفظ له احترامه. في المجلس هادئ، وفي المحاضرة حاضر. لسانه رصين، وأخلاقه تسبق كلامه.
2. المؤرخ الذي ينطق بالماضي، خدمة للراهن، وبناء المستقبل
حديث قصير معه يكفي لتدرك أنك أمام مؤرخ من طراز خاص. يقلّب تاريخ المغرب والعالم الإسلامي ككتاب مفتوح. يستحضر المصدر، ويفهم السياق، ويجعل الماضي ينطق بلغة اليوم. وتلك وظيفة المؤرخ والأستاذ الباحث الذي يُوظِّف الدرس التاريخي في بناء التنمية، ويرهن الثقافة بنبض المجتمع، ويجعلك تؤمن بسوسيولوجيا التاريخ، في إطار ما يعرف في الأوساط الأكاديمية بـ"المثقف الملتزم".
ويظهر انفتاحه المنهجي في ترجمته لكتاب "الاستعمار والمقاومة بالمغرب: المنظور الأنجلوسكسوني لتاريخ المغرب المعاصر"، مساهمة رصينة تفتح للباحث المغربي نوافذ على قراءات أخرى للتاريخ.
3. رجل التوازنات
وفي السياسة تظهر "التوازنات" بوضوح. لا ينجر إلى الجدل العقيم، ولا يختار طرفاً على حساب طرف، ولا يركن إلى الحياد السلبي. أو المواقف الانتهازية، أو التهور في اتخاذ المواقف. يكسب القلوب بلاقته وسلاسة منطقه، هو ابن تافيلالت، من بيت عُرف بالعلم وخدمة الناس فجمع بين هيبة الأصل ودماثة الخلق، فكان جسراً يلتف حوله القريب والبعيد، يجمع ولا يفرق؛ فاجتمع فيه ما تفرق في غيره: بساطة في العلم، وسعة في الخلق.
4. حافظ ذاكرة الجهة
أما مكناس وتافيلالت فيمشي معك في أزقتهما، يقرأ الحجر، ويشرح النقش، ويفك المثل الشعبي كأنه وثيقة. صار بذلك حافظ ذاكرة الجهة والمرجع الذي يعود إليه كل باحث.
*5. الأب الروحي للأجيال
في جامعة مكناس والمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين تخرجت على يديه أجيال. كان لهم أباً قبل أن يكون أستاذاً، مخططا ومديرا ومُقوما، ومهندساً استراتيجياً في بناء الإنسان عبر منظومة التربية والتكوين. لم يعلم التاريخ في السبورة فقط، بل علم حب الوطن والاعتزاز بالهوية في السلوك قبل الكلام. فحوّل فضاء القسم إلى أواش في التربية على المواطنة والسلوك المدني، عبر ترسيخ مفاهيم الحق والواجب والمسؤولية والعيش المشترك، من خلال دورة تعلم تجمع بين القدوة والتنشئة، والتربية والتكوين والتعليم.
شهادات من قلب التجربة:
وللتعرف أكثر استقصت "الجريدة في شخص الإعلامي والباحث زايد الرفاعي" آراء عايشت الدكتور الحاج الساسيوي في مواقف محددة:
الدكتور سعيد بنحمادة، أستاذ التعليم العالي ورفيق درب البحث:
"عرفته طالباً باحثاً، ثم زميلاً، ثم صديقاً ملازماً لمدة تزيد عن العقدين. ما طبع في نفسي عنه خلقه الذي يدفعه دوماً لمد يد العون، ومساره العلمي الرصين. لازمته في مراكز بحث وطنية ودولية، فوجدته الأستاذ الحصيف والمثقف الناقد، المشبع بالتخطيط الاستراتيجي، والفكر التاريخي، والتربية المدنية."
فاطمة الزهراء، متدربة مركز تكوين الأساتذة - فوج 2021:
"معه فهمت أن التاريخ ليس تواريخاً فحسب. كان يسرد تاريخ مكناس كأنه يحكي عن بيتنا. خرجنا من قاعته ونحب مدينتنا أكثر."
مولاي احفيظ لحفيظي، رئيس المنتدى المغربي الإفريقي للتعاون الدولي:
"الساسيوي رجل صادق لا يمكن إلا أن تحبه لمواقفه وفكره. مجالسه إفادة. ما لا يعرفه كثيرون أنه مكتبة متنقلة في الأدب والسياسة وعلم الاجتماع، ناهيك عن نشاطه الجمعوي والحقوقي."
زهير العلوي، أستاذ الاجتماعيات:
"علمنا كيف نسأل الوثيقة، وكيف نربط الحدث بسياقه الاجتماعي والعمراني. من تلمذ على يديه لا يجد صعوبة في التدريس."
سعاد المنصوري، أستاذة التعليم الثانوي:
إنسانياً: "كان يسأل عن الغائب قبل الحاضر. يعاملنا معاملة الأب، فصار في أعيننا أباً روحياً."
أكاديمياً: "دراساته عن مكناس وتافيلالت مرجعي الأول، وتفاصيله تفتح آفاق التراث التي لا تجدها في الكتب."
رضوان الحاجي، متدرب سابق:
"صرامته في المنهجية كانت قاسية في البداية. اليوم أدرك أنها كانت تكويناً أرجع إليه في كل بحث."
صفوة القول؛ ليس غريباً أن يناديه طلبته بـ"الحاج المؤرخ". اللقب لا يمنح، بل يكسب بسنين من العطاء وبناء العقول وحفظ الذاكرة.
رجل التوازنات الذي تحتاجه مكناس اليوم: يوازن بين الماضي والحاضر، بين العلم والسياسة، بين الصرامة والرحمة. ومن يملك هذا الميزان، تثق به المدينة.


