خلف الأبواب الهادئة... حكايات منسية من دار المسنين
خلف الأبواب الهادئة... حكايات منسية من دار المسنين
في مكان هادئ، خلف أبواب تحمل اسم دار المسنين، توجد حكايات إنسانية لا يسمعها الكثيرون. هناك وجوه أنهكها الزمن، وقلوب تحمل ذكريات طويلة عن أيام مضت، وأشخاص قضوا سنوات من حياتهم في العمل والعطاء وتربية الأبناء، قبل أن يجد بعضهم نفسه في مرحلة عمرية يحتاج فيها إلى من يرافقه ويمنحه القليل من الاهتمام والحنان.
تعتبر دور المسنين بالمغرب مؤسسات اجتماعية تهدف إلى استقبال الأشخاص الذين فقدوا الرعاية الأسرية أو الذين أصبحوا في وضع اجتماعي صعب. فهي تلعب دورا مهما في توفير المأوى والرعاية الصحية والاجتماعية، وتحاول أن تمنح كبار السن ظروفا أفضل للعيش. لكن خلف هذا الدور الإنساني توجد قصص مؤلمة تكشف عن معاناة بعض المسنين الذين لا يعانون فقط من ضعف الجسد، بل من ألم الوحدة والإحساس بالنسيان.
فالمسن الذي أمضى سنوات عمره في خدمة أسرته ومجتمعه، قد يجد نفسه في آخر مراحل حياته بعيدا عن أبنائه وأحفاده. يصبح يعيش على ذكريات الماضي، يتذكر أيامه الجميلة، وينتظر زيارة أو مكالمة تعيد إليه الشعور بأنه ما زال له مكان في حياة الآخرين. فالكلمة الطيبة والاهتمام البسيط قد تكون بالنسبة له أغلى من أي شيء آخر.
إن أكبر معاناة يعيشها بعض المسنين ليست المرض أو التقدم في العمر، بل شعورهم بأنهم أصبحوا عبئا على الآخرين. وهذا الإحساس قد يترك أثرا عميقا في نفوسهم، خصوصا عندما يشعرون بأن سنوات العطاء التي قدموها لم تعد محل تقدير.
كما أن بعض دور المسنين تواجه تحديات عديدة، منها نقص الإمكانيات، والحاجة إلى مزيد من التأطير النفسي والاجتماعي، وتوفير برامج وأنشطة تساعد المسنين على الحفاظ على شعورهم بالحياة والأمل. فالمسن ليس شخصا ينتظر نهاية الطريق، بل إنسان له تجارب وذكريات وحاجات نفسية تستحق الاهتمام.
ومن بين الأمور التي تزيد من معاناة بعض المسنين وجود بعض التصرفات غير المسؤولة من طرف بعض العاملين في مجال الرعاية. فرغم أن هناك موظفين يقومون بعملهم بإخلاص ورحمة، إلا أن بعض السلوكيات السلبية قد تجعل المسن يعيش ظروفا صعبة، مثل الإهمال، أو قلة الصبر، أو التعامل معه بطريقة قاسية لا تراعي عمره وحالته النفسية.
فالمسن يحتاج إلى معاملة خاصة تقوم على الاحترام والتقدير، لأنه في مرحلة يكون فيها أكثر حاجة إلى الدعم النفسي. إن الصراخ في وجهه، أو تجاهل شكواه، أو جعله يشعر بأنه غير مهم، كلها تصرفات قد تترك جراحا داخلية لا تظهر للعين، لكنها تؤثر على نفسيته وحياته اليومية.
ورغم هذه الصور المؤلمة، توجد أيضا جوانب مشرقة داخل بعض دور المسنين، حيث يعمل أشخاص وجمعيات على تقديم الرعاية والمساعدة، ويحاولون تعويض جزء من غياب الأسرة من خلال الاهتمام والاستماع إلى قصص المسنين ومشاركتهم لحظاتهم اليومية. هؤلاء الأشخاص يثبتون أن الرحمة ما زالت موجودة، وأن العمل الإنساني الحقيقي يبدأ من احترام كرامة الإنسان.
إن قضية المسنين في المغرب ليست مسؤولية دور الرعاية فقط، بل هي مسؤولية المجتمع بأكمله. فالعناية بكبار السن تعكس مستوى أخلاق المجتمع ومدى وفائه لمن ساهموا في بناء الأسرة والوطن. فالإنسان الذي أعطى سنوات عمره للآخرين يستحق أن يعيش ما تبقى من حياته في احترام وطمأنينة.
وفي النهاية، تبقى دار المسنين أكثر من مجرد مكان للإقامة، فهي فضاء يحمل قصصا عن الحياة والصبر والانتظار. خلف كل مسن هناك حكاية، وخلف كل وجه متعب هناك إنسان يحتاج إلى من يسمعه ويقدر قيمته. فالعمر قد يأخذ من الإنسان قوته، لكنه لا يأخذ أبدا حقه في الكرامة والمحبة والاحترام.
الصحفيين المهنيين عبدالهادي مستور وسارة البوزيدي مغرب المواطنة



