مغرب المواطنة مدير النشر: خالد الرحامني / E-mail: info@mouatana.com
السينما المغربية بين دعم الدولة و غياب الجمهور
مغرب المواطنة2026-08-05 14:54:48
للمشاركة:

السينما المغربية بين دعم الدولة و غياب الجمهور

السينما المغربية بين دعم الدولة و غياب الجمهور

تثير إشكالية دعم القطاع السينمائي والثقافي بالمغرب

نقاشاً عميقاً، حول مدى نجاعة السياسات العمومية المتبعة، والحدود الفاصلة بين تشجيع الإبداع وتسليع الثقافة، وما إذا كانت الميزانيات المرصودة تحقق أثراً تنموياً ملموساً أم أنها تحولت إلى صيغة من صيغ "الريع المؤسساتي".

تشخيص آليات الدعم الحالية: بين الغايات والنتائج

تعتمد حكامة القطاع السينمائي بالمغرب، عبر المركز السينمائي المغربي (CCM)، على دعم مباشر يُفترض أنه يستهدف ترسيخ "صناعة ثنائية الركائز": الترويج للوجهة المغربية عالمياً، وتطوير الإنتاج الوطني. إلا أن القراءة النقدية لواقعية هذا الدعم تكشف عن عدة اختلالات بنيوية:

تركيز الدعم الإنتاجي: تُخصص لجنة دعم إنتاج الأعمال السينمائية غلافاً مالياً سنوياً يُقدر بحوالي 60 إلى 70 مليون درهم. رغم هذا التمويل، يعاني التوزيع من تمركز حول عدد محدود من شركات الإنتاج (التي تتكرر أسماؤها في غالبية طلبات العروض المعتمَدة)، مما يضعف مبدأ تكافؤ الفرص أمام الطاقات الشابة والشركات الناشئة.

إشكالية القاعات السينمائية وتحدي الرقمنة: على الرغم من إطلاق برامج لرقمنة وتحديث القاعات، يسجل المشهد السينمائي مفارقة صارخة؛ إذ تراجع عدد القاعات السينمائية النشطة بالمغرب من أكثر من 250 قاعة في ثمانينيات القرن الماضي إلى أقل من 30 قاعة شغالَة حالياً، معظمها متمركز في المحاور الحضرية الكبرى (الدار البيضاء، الرباط، طنجة). هذا الانكماش يجعل دعم الرقمنة محدود الأثر جراء غياب شباك تذاكر وهيكلة تسويقية قائمة على استقطاب الجمهور.

ظاهرة "المهرجاناتية": يستفيد أكثر من 60 مهرجاناً وتظاهرة سينمائية سنوية من صندوق دعم المهرجانات. غير أن غياب مؤشرات قياس الأداء (KPIs) يُظهر أن جزءاً كبيراً من هذه المهرجانات يفتقر إلى البعد التنموي المحلي، ويقتصر على استقطاب نفس الوجوه والشبكات المغلقة، دون تحقيق هدف نشر "الثقافة السينمائية" أو خلق دينامية اقتصادية في المدن المستضيفة.

من التمويل المباشر إلى الاستثمار في رأس المال البشري

تكمن الإشكالية الجوهرية في الاعتماد الكلي على التمويل المباشر القائم على المنح بدل الاعتماد على صناديق الاستثمار والآليات المحفزة. الإنفاق الثقافي بلا منظومة تكوين وتأطير وترويج يتحول بالضرورة إلى استهلاك للمال العام دون عائد استثماري (ROI) ثقافي أو اقتصادي.

يمكن بسط تشخيصٍ دقيق ومُوجّه للوضع الراهن للقطاع السينمائي، مرفقاً بالإجراءات العملية للبديل الموصى به:

1. طبيعة الدعم والتمويل:

ارتهان كلي للسيولة المباشرة: تعتمد غالبية شركات الإنتاج على المنح المباشرة كـرأس مال رئيسي، لإنتاج العمل بدلاً من أن تكون المنحة جزءاً تكميلياً، مما أضعف روح المبادرة التجارية والقدرة على جلب تمويلات خاصة أو استثمارات أجنبية شريكة.

غياب المخاطرة الإبداعية: التمويل المباشر غير المشروط باسترجاع التكاليف يخلق سوقاً سينمائياً غير تنافسي؛ حيث يستفيد المنتج مالياً قبل العرض، بغض النظر عن نجاح الفيلم جماهيرياً أو نقادياً.

الإصلاحات الموصى بها:

التحول نحو الهندسة المالية المركبة: تحويل جزء من ميزانيات الدعم المباشر إلى صناديق ضمان قروض تشجع البنوك والمؤسسات المالية على تمويل المشاريع السينمائية.

تحفيزات ضريبية متقدمة: تفعيل آليات الإعفاء الضريبي (Tax Credit) للشركات والمؤسسات التي تستثمر في الإنتاج أو البنية التحتية السينمائية الوطنية، مما يربط السينما بالنسيج الاقتصادي العام.

2. الحكامة والرقابة والقياس:

معايير انتقائية انطباعية: تعتمد لجان الدعم المتعاقبة في كثير من الأحيان على تقييمات أدبية وسيناريوهات دون تقييم دقيق للجدوى الاقتصادية والخطط التسويقية للمشاريع المقدمة.

غياب الرقابة البعدية (Ex-post evaluation): لا يخضع صرف المال العام لتقييم أثر ملموس؛ إذ تُصرف أجزاء الدعم بناءً على مراحل الإنتاج التقني دون ربطها بفرص التوزيع، أو نسب المتابعة، أو الحضور في المحافل الدولية.

الإصلاحات الموصى بها:

إرساء دفاتر تحملات مبنية على النتائج: ربط الإفراج عن الأشواط الأخيرة من الدعم بمؤشرات أداء محددة (توزيع في عدد معينة من القاعات، المشاركة في مهرجانات دولية مصنفة، أو تحقيق نسب مشاهدة محددة).

شفافية وتقييم مستقل: إخضاع نتائج الدعم المالي لتقارير افتحاص سنوية تنشر للعموم، مع اعتماد مبدأ التدوير الشفاف لأعضاء لجان الدعم لمنع تنازع المصالح وتكرار الأسماء المستفيدة.

3. التكوين، التأطير، والترويج:

الهشاشة المهنية وتأخر المهن التقنية: وجود فجوة تنظيمية بين المخرجات الأكاديمية ومتطلبات سوق الإنتاج المتقدم، خاصة في مجالات كتابة السيناريو، المؤثرات البصرية (VFX)، والتدبير الإداري والمالي للمشاريع السينمائية (Line Producing).

إنتاج بلا تسويق: تخصيص الميزانيات للإنتاج المادي وتجاهل خطط الترويج، مما يجعل عدداً من الأفلام المدعومة تقف عند حدود العرض الأول في المهرجانات الوطنية دون ترويج تجاري داخل المغرب أو خارجه.

الإصلاحات الموصى بها:

صندوق دعم الترويج والتوزيع: إفراد آلية تمويل خاصة بالتسويق والعرض لا تقل أهمية عن دعم الإنتاج نفسه.

برامج الإقامة الفنية والتأطير: تخصيص غلاف مالي ثابت لرعاية ورشات كتابة السيناريو وبرامج الإقامة الفنية للمخرجين والمنتجين الشباب تحت إشراف خبرات وطنية ودولية لضمان جودة المشاريع قبل مرحلة التصوير.

4. استهداف الجمهور والعدالة المجالية:

الصحاري السينمائية (Cinema Deserts): حرمان شريحة واسعة من المواطنين في المدن الصغرى والمتوسطة والمناطق النائية من الحق في العرض السينمائي جراء انحصار القاعات في المحاور الحضرية الكبرى.

انقطاع صلة الناشئة بالسينما: غياب ثقافة مشاهدة السينما داخل المنظومة التعليمية والتربوية، مما أضعف قاعدة "الجمهور المستقبلي" وقوّض شباك التذاكر المحلي.

الإصلاحات الموصى بها:

شبكات العرض البديلة والسينما الجوالة: إطلاق شاحنات العرض السينمائي المجهزة وتجهيز المراكز الثقافية في مختلف الجهات بشاشات عرض حديثة لضمان توزيع عادل للخدمة الثقافية.

التربية على الصورة: دمج الأندية السينمائية في المؤسسات التعليمية والجامعية بالتعاون مع المجتمع المدني لتنمية الحس النقدي وبناء جمهور واِعٍ بالصناعة الإبداعية.

نحو مقترحات لإعادة هيكلة القطاع

إعادة تعريف "الصناعة الثقافية": يجب ألا تُختزل الثقافة في مفهوم تسويقي فرغ من محتواه الفكري، بل ينبغي بناء بيئة مشجعة تجمع بين حرية الإبداع وصرامة التدبير الاقتصادي.

شفافية الاستحقاق وتدوير النخب: ربط الاستفادة من المال العام بتقديم كشوفات تفصيلية حول أوجه الصرف، ومنع تكرار استفادة الأفراد والشركات أنفسهم لسنوات متتالية دون تقديم قيمة مضافة مثبتة بالأرقام.

دعم سياق العرض قبل الإنتاج: إنتاج عشرات الأفلام سنوياً دون وجود قاعات عرض أو منصات توزيع وطنية رقمية يُعد إهداراً للموارد. الإصلاح الحقيقي يبدأ من ضمان وصول المنتج الفني إلى المواطن.

إن الانتقال بالقطاع السينمائي من حالة "الريع المالي" إلى "النهضة الإبداعية" يستلزم إرادة سياسية لإعادة صياغة القوانين المنظمة للقطاع، وجعل القطاع الخاص والمؤسسات الاستثمارية طرفاً فاعلاً، مع إعطاء الأولوية للشباب والتكوين المستمر والعدالة المجالية في توزيع الخدمة الثقافية.

د. حسن الروخ

أستاذ التعليم العالي

السينما المغربية بين دعم الدولة و غياب الجمهور

 

مغرب المواطنة
للمشاركة: