مسجد باب بردعيين يحتاج إلى لجنة تقنية من تخصص المعمار التاريخي.
مسجد باب بردعيين يحتاج إلى لجنة تقنية من تخصص المعمار التاريخي.
متابعة محسن الأكرمين.
كان صلاتي ظهر الجمعة بمسجد باب بردعيين التاريخي بمكناس، ومن ذكرى الفاجعة فقد عشت أقساطا من مشاهد الألم والوجع، ورائحة دم الشهداء العطرة في أرضه الطاهرة. تذكرت تهاوي الصومعة جمعة (19 فبراير 2010)، تذكرت ناس المدينة العتيقة وهم يشيعون (41) شهيدا نحو المقبرة باب بردعيين. جل هذه الأحداث كنت أسترجعها كلما صليت بداخله، فهي لم تعد تفارقني ذاكرتي ومخيلتي، وقد باتت تُرهقني بكاء كلَّما أنحني سجودا وأدعو برحمة الله على جميع الشهداء الطيبين، وأن يسكنهم العلي القدير فسيح جنانه.
اليوم من حسن الصدف الربانية، أن خطبة جمعة التسديد والتبليغ الوزارية كانت حول أدوار المساجد التاريخية، ومكانتها الدينية في المجتمع العربي الاسلامي وترسيخ أركان الدين، وضبط القلب بالحفظ لكتاب الله. الفقيه كان فصيحا وبليغا، ويُخاطبنا وكأننا قد تخطينا المآثم الدنيوية بحضورنا لسماع الخطبة المدونة والمكتوبة. بالطبع الصريح، لم أعد أستسيغ خطاباتنا الدينية المكتوبة والمحررة وفق رؤية توحيد خطب الجمعة، والتي تعمل على محاربة الأمية الدينية بشكل دعوي فيمن حضر المسجد. وكان الإمام (وفقه الله) يخاطبنا بالإطناب والشرح الحواشي، فرفقا بنا وزارتنا الموقرة في الأوقاف والشؤون الإسلامية، فالإسلام فطري في نفوسنا ومعاملاتنا وأخلاقنا وقيمنا، ونحن ننتظر تغيير معاملاتنا المشينة، وتصحيح علاقاتنا الاجتماعية الحديثة وفق رؤية التسديد وتجديد الخطاب.
خطبة الوزارة الوصية كانت حول المساجد، وبات الإمام يستحضر التاريخ، ومكانة المساجد ودورها الريادي في نشر الدين وتثبيت العقيدة. استشهد فكان بليغا وعادلا وحكيما، وجعلنا نعيش ضمن نوستالجيا الأحداث والقرائن ووضعية المساجد في عصرنا الحالي، لكن إمامنا الفذِّ تناسا مسجد باب بردعيين التاريخي. نسي الأحداث الفزعة التي أتت عليه جزئيا. نسي حتى الأيادي السخية السمحة لمولانا أمير المؤمنين محمد السادس نصره الله وأيده حين تكلف من ماله الخاص على جنائز الشهداء وجبر الخواطر الأسر المفزوعة، وإعادة إعمار المسجد وفق نمط بنائه الأول.
كان الخطيب مشكورا يتحدث برفق ولغة دعوية، وأحسن التفصيل في شق التوعية والتثقيف عند ولوج المسجد وآدابه العامة والخاصة. لكني كنت ألمح بعيوني تلك التشققات الحديثة المتكاثفة، وتلك النتوءات في السواري (أعمدة) وتهاوي أجزاء من التبليط الحائطي. كنت أحتسب أن العناية باتت مُهملة بالتمام بهذا الجامع التاريخي، فحتى صباغته (تتقشر) وتتساقط على رؤوس المصلين والأرضية. ومن حسن صنيع المحسنين ذكرا أنه تمت إعادة المرافق الصحية وقاعة الوضوء للاشتغال، بعد زمن ممتد من إغلاقها وإغفالها من طرف المندوبية الإسلامية بمكناس.
حين خرجت من المسجد بختم الدعاء، قلت في نفسي لا بد من بعث رسالة مفتوحة لمؤسسة السيد عامل المدينة بصفته الاعتبارية والسلطة الهرمية الإدارية بمكناس، والالتماس من سيادته على بعث لجنة تقنية خاصة بــ (المعمار التاريخي) لتقويم الضرر الحاصل بالمسجد، وكذا التماس إعطاء أوامره في إعادة هيكلته وتصحيح الأجزاء ذات التشققات، وإعادة كساء هذا المسجد ذي الهيبة الربانية نظرا لما يحمله من عظمة تاريخية ودينية وأحداث فزعة.
كنت قد قررت رفع تظلم الى السيد مندوب وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بوجوب العناية بهذا التحفة المعمارية العتيقة بالشكل والتمييز الإيجابي. نعم، فلن نُراسل مسؤولي المدينة وفق مساطر الطريقة الإدارية، ولكني آثرت خطابهم من تزكية تسديد الوازع الديني والمسؤولية الإدارية بالمدينة.
نعم، التماسي للسيد عامل المدينة على إخراج لجنة تقنية في المعمار التاريخي العتيق للوقوف عن حجم الضرر الذي تعرض إليه معمار المسجد. خطابي الثاني إلى السيد مندوب وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بمكناس، والمسؤولية التي تطوق عنقه من حيث تتبع حالة المساجد المعمارية، وكذا العمل تفقد البنيات التحتية للمساجد التاريخية بربوع وزوايا المدينة. التماسي بإعادة تفريش أرضيته وحواشيه بما يليق وأدوار المساجد كما ذكرنا به خطيب الجمعة اليوم، وقيمة مسجد باب بردعيين.












