بين العزوف والبديل السياسي.. هل تكفي الانتخابات وحدها لصناعة التغيير؟
بين العزوف والبديل السياسي.. هل تكفي الانتخابات وحدها لصناعة التغيير؟
بقلم فكري ولدعلي
مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، يعود إلى الواجهة النقاش حول "البديل" السياسي، ويطرح المواطنون تساؤلات مشروعة حول قدرة الوجوه الجديدة أو الأحزاب المنافسة على تحقيق ما عجز عنه من هم في موقع المسؤولية اليوم. غير أن السؤال الأهم يظل: هل سيكون هذا البديل في مستوى تطلعات المواطنين، أم أن الواقع سيؤكد المثل المغربي القائل: "ما تبدل خوك غير بما قرف"؟
لا يختلف اثنان حول أن الديمقراطية، مهما كانت ملاحظاتنا وانتقاداتنا، لا يمكن أن تستقيم دون أحزاب سياسية قوية وفاعلة. فالأحزاب تظل الآلية الأساسية لتأطير المواطنين، وتقديم البرامج، وتدبير التنافس حول السلطة في إطار سلمي ومؤسساتي. كما أنها الوسيلة التي تمكن الشعب من المشاركة في صناعة القرار عبر صناديق الاقتراع واختيار من يراه الأقدر على معالجة مشاكله اليومية.
غير أن نجاح المشروع الديمقراطي يظل رهيناً بتوفر رأسمال بشري مؤمن بالمصلحة العامة، وقادر على تجاوز الحسابات الشخصية والقبلية الضيقة، ومقتنع بأن التغيير لا يتحقق إلا بالمشاركة الفعلية في الحياة السياسية. لكن الواقع يكشف أن الديمقراطية تعيش اليوم تحديات متزايدة، ليس فقط في المغرب، بل حتى داخل أعرق الديمقراطيات الغربية، حيث أصبحت فعالية المؤسسات التمثيلية محل نقاش وتساؤل حول قدرتها على مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم.
وفي المغرب، يلاحظ أن نسبة مهمة من المثقفين والفاعلين القادرين على إحداث الفرق اختارت الابتعاد عن صناديق الاقتراع وعن العمل الحزبي بشكل عام، بينما تستمر فئات أخرى في المشاركة الانتخابية بدوافع ترتبط أحياناً بالانتماءات المحلية أو الحسابات القبلية أكثر من ارتباطها بالبرامج السياسية والرؤى التنموية.
هذا الوضع ينعكس بشكل مباشر على جودة النخب المنتخبة، حيث تستمر بعض الأسماء والأعيان في احتلال المشهد السياسي مستفيدة من حالة العزوف الواسعة. فالمقاعد المنتخبة لا يمكن أن تبقى شاغرة، وعندما ينسحب أصحاب الكفاءة والخبرة من المنافسة، يفسح المجال أمام الباحثين عن المواقع والمصالح، مع وجود استثناءات محترمة تواصل أداء أدوارها الوطنية بجدية ومسؤولية.
كما تواجه الأحزاب السياسية بدورها أزمة حقيقية، إذ أصبحت في كثير من الأحيان تبحث عن المرشح القادر على حصد الأصوات أكثر من بحثها عن الكفاءة والقدرة على التأطير وصناعة الأفكار. وفي المقابل، يتعزز حضور النزعة الفردانية داخل المجتمع، في وقت تتطلب فيه العملية السياسية عملاً جماعياً ورؤية مشتركة لبناء المستقبل.
ومع صعود الفضاءات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، تغيرت موازين التأثير بشكل كبير، حيث أصبحت هذه المنصات تنافس الأحزاب التقليدية في تشكيل الرأي العام والتأثير على توجهات المواطنين، بل وتتفوق عليها أحياناً في سرعة الوصول والانتشار. وهو ما يفرض إعادة التفكير في آليات العمل السياسي وأساليب التواصل مع المجتمع، خاصة فئة الشباب.
لقد شهدت السنوات الأخيرة بروز حركات وتعبيرات مجتمعية خارج الأطر الحزبية التقليدية، ما يعكس حاجة ملحة إلى تجديد الممارسة السياسية وتطوير المؤسسات التمثيلية حتى تستعيد ثقة المواطنين وتؤدي أدوارها الدستورية في التأطير والاقتراح والدفاع عن القضايا المجتمعية.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في البحث عن بديل سياسي، بل في بناء ثقافة سياسية جديدة تقوم على المشاركة والمسؤولية والمحاسبة. فملء الفراغ السياسي أمر حتمي، لكن الرهان يبقى دائماً على نوعية من سيملؤون هذا الفراغ، ومدى قدرتهم على خدمة الصالح العام والاستجابة لتطلعات المواطنين.
وفي نهاية المطاف، فإن مستقبل الديمقراطية لا تصنعه الأحزاب وحدها، ولا المؤسسات بمفردها، بل يصنعه أيضاً المواطن الواعي الذي يختار المشاركة بدل اللامبالاة، والانخراط بدل العزوف، إيماناً بأن التغيير مسؤولية جماعية قبل أن يكون وعداً انتخابياً.



