مغرب المواطنة مدير النشر: خالد الرحامني / E-mail: info@mouatana.com
مكناس في رحاب المولد النبوي، او حين تستعيد المدينة العتيقة ذاكرتها الروحية وتنعش حركتها الاقتصادية
مغرب المواطنة2026-08-28 12:28:11
للمشاركة:

مكناس في رحاب المولد النبوي، او حين تستعيد المدينة العتيقة ذاكرتها الروحية وتنعش حركتها الاقتصادية

مكناس في رحاب المولد النبوي، او حين تستعيد المدينة العتيقة ذاكرتها الروحية وتنعش حركتها الاقتصادية

أعد الروبورطاج : عبد الصمد تاج الدين
مع حلول ذكرى المولد النبوي الشريف، تستعيد مدينة مكناس، خلال غشت 2026، واحدا من أكثر مواسمها ارتباطا بذاكرتها الروحية والثقافية والاجتماعية. فالمناسبة لا تقتصر على إحياء طقوس دينية متوارثة، وإنما تتحول المدينة العتيقة بكل دروبها وأزقتها وأسواقها ومعالمها إلى فضاء نابض بالحياة، يستحضر تاريخ الطريقة العيساوية ومكانة الشيخ الكامل، الهادي بن عيسى، ويمنح المدينة في الوقت نفسه حركية تجارية واجتماعية واقتصادية لافتة.
ومنذ انطلاق المواكب العيساوية من باب منصور لعلج، أحد أبرز رموز العاصمة الإسماعيلية، تستعيد المدينة إيقاعها الخاص. طوائف عيساوية تسير في نظام وانتظام، تتقدمها الأمداح والأذكار والإيقاعات التقليدية، في مشهد روحاني يعبر الشوارع والأزقة التاريخية للمدينة العتيقة، مرورا بعدد من الأسواق والممرات، وصولا إلى ضريح الشيخ الكامل الهادي بن عيسى.
المشهد لا يقتصر على المشاركين في المواكب، إذ يخرج السكان والزوار إلى جنبات الأزقة لمتابعة هذه الطقوس التي توارثتها الأجيال، بينما تعرف مختلف الفضاءات المحيطة بالمدينة العتيقة حركة استثنائية، تجعل من مناسبة المولد موعدا سنويا لاستحضار الذاكرة والهوية والانتماء.
مدينة عتيقة تستعيد وجهها
وتأتي احتفالات هذه السنة في سياق خاص، بعدما عرفت أجزاء مهمة من المدينة العتيقة أوراشا لإعادة التأهيل والتثمين، جعلت عددا من فضاءاتها أكثر استعدادا لاحتضان المناسبات الثقافية والروحية الكبرى.
ومن ساحة الهديم التاريخية وباب منصور، مرورا بمحاور السكاكين والبزازين ومختلف الأزقة والأسواق التقليدية، وصولا إلى محيط ضريح الشيخ الكامل، أصبح أثر هذه الأوراش حاضرا في المشهد العام.
وهكذا، يجد الركب العيساوي نفسه وهو يعبر فضاءات تاريخية تمت إعادة الاعتبار لعدد منها، في صورة تختزل التلاقي بين التراث المادي والتراث اللامادي. فالحجارة العتيقة والواجهات والأسواق والأبواب التاريخية تشكل الخلفية الطبيعية لطقوس الذكر والمديح والحضرة.
وتكتسب ساحة الهديم، على وجه الخصوص، أهمية رمزية كبيرة، باعتبارها واحدة من أبرز الفضاءات التاريخية بمكناس، وبوابة مفتوحة على المدينة العتيقة، وهو ما يجعلها فضاء مثاليا لاستقبال الزوار والتظاهرات الثقافية والروحية.
من الطقوس إلى النقاش العلمي
وبموازاة المواكب والطقوس الدينية، تعرف مكناس خلال هذه المناسبة برنامجا ثقافيا وفكريا يسعى إلى فتح نقاش حول مستقبل التراث العيساوي، وسبل المحافظة عليه وتوثيقه ونقله إلى الأجيال القادمة.
وفي هذا السياق، احتضن قصر السعادة بمكناس، يوم الأربعاء 26 غشت 2026، مائدة مستديرة حول موضوع «الذكر العيساوي: أصالة التصوف وعمق وتوثيق الذاكرة الروحية»، بمشاركة عدد من الأساتذة والباحثين والمهتمين بالتراث الصوفي والعيساوي.
ويستمر هذا النقاش يوم الخميس 27 غشت 2026 من خلال ندوة علمية نظمتها جمعية الإسماعيلية الكبرى بالمركب الثقافي والفني التابع لها، بمركز الريف «سينما الريف» بحي الرياض بمكناس، تحت عنوان:«التراث العيساوي بين سلاسل القيمة الفنية وروح المكان».
وتشكل هذه الندوة إضافة نوعية للبرنامج الثقافي المواكب للمناسبة، بالنظر إلى أنها تفتح النقاش حول العلاقة بين التراث العيساوي والمجال الذي نشأ فيه، فضلا عن أبعاده الفنية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية.
المولد.. حركية اقتصادية واجتماعية أيضا
وبعيدا عن الجانب الروحي والثقافي، تبدو احتفالات المولد النبوي في مكناس مناسبة تساهم بشكل واضح في تنشيط الدورة الاقتصادية المحلية.
فمع توافد الطوائف والزوار والأسر، ترتفع وتيرة الحركة التجارية داخل المدينة العتيقة ومحيطها، إء لوحظ نشاط وحيوية استثنائية بالأسواق والمحلات التقليدية والمقاهي والمطاعم والنقل ومختلف الخدمات المرتبطة بالزوار .
ولم تقتصر هذه الحركية على المدينة العتيقة وحدها، بل امتدت إلى عدد من الأحياء والمرافق التي تستقبل حفلات ولقاءات عائلية بمناسبة المولد.
وشهدت قاعات الأفراح، على الخصوص، رواجا وحركية خلال هذه الفترة، مع تنظيم عدد من الأسر احتفالات خاصة بالمناسبة، وما يرافق ذلك من طلب على خدمات التموين والديكور والتجهيزات الموسيقية والتصوير والحلويات والملابس التقليدية وغيرها من الأنشطة والخدمات المرتبطة بالمناسبات الاجتماعية.
وبذلك تحولت المناسبة إلى موعد تقاطعت فيه الأبعاد الدينية والثقافية والاجتماعية مع الحركة الاقتصادية، استفادت منه فئات واسعة من المهنيين وأصحاب الأنشطة التجارية والخدماتية.
حين تتحول الذاكرة إلى رافعة للتنمية
وتكشف هذه الصورة المتعددة الأبعاد أن الاحتفال بالمولد النبوي في مكناس لم يعد مجرد طقس ديني محصور في فضاءات بعينها، وإنما أصبح موعدا تتفاعل خلاله المدينة بكل مكوناتها.
فالطوائف العيساوية تعبر الأزقة التاريخية، والسكان يستعيدون طقوسا متوارثة، والزوار يكتشفون معالم المدينة، والأسواق تنشط، وقاعات الأفراح تستقبل حفلات ومناسبات، فيما يواكب الباحثون والمثقفون هذه الدينامية بندوات وموائد مستديرة تبحث في مستقبل التراث العيساوي.
ومن هنا تبرز أهمية الربط بين إعادة تثمين المدينة العتيقة وصيانة التراث العيساوي وتنشيط الاقتصاد المحلي. فالمكان التاريخي لا تكتمل قيمته بترميم مبانيه فقط، كما أن التراث اللامادي لا يمكن أن يستمر من دون فضاء يحتضنه ومجتمع يحافظ عليه.
وفي هذا السياق، تبدو مكناس أمام فرصة حقيقية لتحويل مواسمها الروحية والثقافية إلى رافعة للتنمية، من خلال تثمين تراثها المادي واللامادي، وتشجيع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة به، وجعل المدينة العتيقة فضاء حيا يستفيد منه السكان والمهنيون والزوار على حد سواء.

ليالي الذكر والمدائح النبوية
كما كانت المناسبة نفسها فرصة لإحياء ليالي الذكر والمدائح النبوية بمختلف أحياء مدينة مكناس، حيث اجتمعت الأسر والمريدون والمحبون في أجواء روحانية مميزة، رافقها ترديد الأذكار والأمداح والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، في مشاهد تعكس عمق حضور الثقافة الدينية والروحية في الحياة الاجتماعية للمكناسيين.
وقد شكلت هذه الليالي امتدادا طبيعيا للطقوس المرتبطة بإحياء ذكرى المولد النبوي الشريف، حيث تحولت عدد من الفضاءات ودور الأسر وقاعات الأفراح إلى أماكن للمديح والذكر والاحتفاء بهذه المناسبة، في تقليد متوارث يحرص المكناسيون على الحفاظ عليه جيلا بعد جيل.
ولم تكن هذه السهرات الروحية مجرد لحظات للاحتفال، بل شكلت أيضا مناسبة لتعزيز صلة الأجيال الجديدة بالموروث الديني والثقافي للمدينة، وإبراز التنوع الذي يميز مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي، من المواكب العيساوية إلى مجالس الذكر والمديح، في مشهد يجمع بين الإيمان والذاكرة والفرح الجماعي.

من باب منصور إلى ضريح الشيخ الكامل

وبين باب منصور لعلج وساحة الهديم والسكاكين والبزازين، وصولا إلى ضريح الشيخ الكامل الهادي بن عيسى، تختصر مسيرة الموكب العيساوي حكاية مدينة كاملة.
إنها مكناس التي تستعيد في المولد النبوي جزءا من ذاكرتها، وتقدم في الوقت نفسه صورة عن مدينة تحاول أن تجمع بين أصالة الماضي ومتطلبات الحاضر.
فإذا كانت الطقوس العيساوية تمنح المناسبة بعدها الروحي، فإن المدينة العتيقة تمنحها فضاءها التاريخي، والندوات والموائد المستديرة تمنحها بعدها الفكري والثقافي، بينما تمنح الحركية التجارية والاجتماعية المناسبة بعدا اقتصاديا وتنمويا.
وهكذا، يصبح المولد النبوي في مكناس مناسبة تتجاوز الاحتفال في حد ذاته، لتتحول إلى لحظة سنوية تستعيد فيها المدينة ذاكرتها، وتنعش أسواقها وفضاءاتها، وتعيد اكتشاف تراثها، وتطرح في الوقت نفسه سؤال المستقبل: كيف يمكن الحفاظ على روح التراث العيساوي وجعله رافعة حقيقية للثقافة والسياحة والاقتصاد المحلي؟
وهو سؤال يبدو أن مكناس بدأت تقترب من الإجابة عنه، من خلال الجمع بين تثمين المكان، وصيانة التراث، وتنشيط الثقافة، وإحياء الطقوس، وتحريك الدورة الاقتصادية والاجتماعية.

مكناس في رحاب المولد النبوي، او حين تستعيد المدينة العتيقة ذاكرتها الروحية وتنعش حركتها الاقتصادية

مكناس في رحاب المولد النبوي، او حين تستعيد المدينة العتيقة ذاكرتها الروحية وتنعش حركتها الاقتصادية

مكناس في رحاب المولد النبوي، او حين تستعيد المدينة العتيقة ذاكرتها الروحية وتنعش حركتها الاقتصادية

مكناس في رحاب المولد النبوي، او حين تستعيد المدينة العتيقة ذاكرتها الروحية وتنعش حركتها الاقتصادية

مكناس في رحاب المولد النبوي، او حين تستعيد المدينة العتيقة ذاكرتها الروحية وتنعش حركتها الاقتصادية

 

مغرب المواطنة
للمشاركة: