الشتيوي... 42 سنة من العطاء بين المستشفى وقاعات التكوين وملاعب التحكيم
الشتيوي... 42 سنة من العطاء بين المستشفى وقاعات التكوين وملاعب التحكيم
حاوره: عبد الصمد تاج الدين
في أحد أركان مقهى الكورنير بحمرية، حيث اعتاد الحاج عبد الله الشتيوي أن يلتقي بأصدقائه ويتبادل معهم أطراف الحديث، كانت الذاكرة هذه المرة هي ضيف الجلسة. جلس الرجل بهدوئه المعهود، وفتح صفحات أكثر من أربعة عقود من العمر قضاها في خدمة قطاع الصحة، قبل أن ينتقل الحديث بين محطات المهنة والتكوين والتحكيم والرياضة والعمل الجمعوي، وبين أسماء رجال ونساء تقاسم معهم سنوات من العمل والمسؤولية والصداقة.
قال الشتيوي إن الحكاية بدأت في يناير 1962، عندما تخرج من مدرسة الممرضين بمستشفى محمد الخامس بمكناس، ضمن الفوج الأول، حاملا دبلوم ممرض مساعد بالشهادة "Adjoint de santé brevet". كان ذلك أول الطريق في مهنة ستتحول، مع مرور السنوات، من مجرد وظيفة إلى رسالة وحياة كاملة.
واسترسل قائلا إن أول تعيين له كان بمستشفى الفقيه بن صالح، قبل أن ينتقل إلى تجربة مختلفة في مجال محاربة الملاريا، بعدما عين رئيسا لمنطقة تادلة لمحاربة داء الملاريا. ولأجل هذه المهمة، خضع لتكوين بالمعهد الوطني للصحة بالرباط، ليحصل بعد ذلك على شهادة في علم الملاريا "Certificat de paludologie".
وعن تلك المرحلة، أكد الشتيوي أنها كانت مدرسة حقيقية في العمل الميداني، جعلته يدرك مبكرا أن الصحة لا تبدأ وتنتهي داخل المستشفى، وإنما تمتد إلى الميدان والوقاية والتوعية وخدمة السكان في مختلف المناطق.
ثم عاد الرجل إلى مسار التكوين، فالتحق في أكتوبر 1964 بمدرسة ممرضي الدولة بمستشفى ابن سينا، وتخرج منها في شتنبر 1965 ضمن فوج التكوين المتسارع "Promotion accélérée". وبعدها وجد نفسه في موقع آخر سيطبع مساره بشكل كبير، وهو تكوين الأجيال الجديدة من الممرضين.
قال إن سنوات التدريس كانت من أجمل مراحل حياته المهنية، إذ عمل مدرسا لعلوم التمريض سنتين بالقنيطرة، وسنتين بأكادير، وخمس سنوات بمكناس. وكان بالنسبة إليه انتقال المعرفة جزءا من الرسالة، لأن الممرض الذي يتعلم ويكتسب التجربة يصبح بدوره مسؤولا عن نقلها إلى من سيأتي بعده.
وأضاف أن علاقته بالتكوين لم تكن منفصلة عن الممارسة، بل كان يزاوج بين التجربة الميدانية والتدريس، مؤمنا بأن أفضل تكوين هو الذي يستند إلى تجربة حقيقية عاشها الممرض داخل المؤسسة الصحية.
وفي هذه المسيرة الطويلة، لم يكن الشتيوي وحده في مواجهة أعباء المهنة ومسؤولياتها، فقد كانت إلى جانبه رفيقة دربه، زوجته، التي كانت هي الأخرى إطارا صحيا، وأسهمت بدورها في خدمة قطاع الصحة وتكوين أجيال من الممرضين. فقد اشتغلت في مجال تكوين الممرضين بمدرسة لالة مريم بمكناس، وكانت شريكة له في تفاصيل حياته المهنية والإنسانية، تتقاسم معه هموم المهنة ورسالتها، وتسانده في مختلف محطات مساره.
وقد أثمرت هذه الحياة المشتركة عن أربعة أبناء، ذكرين وابنتين، اختارت إحداهن السير على خطى والديها، والتحقت بدورها بمجال الصحة، لتواصل مسيرة العطاء نفسها.
لذلك، ظل الشتيوي يعتبر أن ما تحقق خلال تلك السنوات لم يكن ثمرة جهد فردي، بقدر ما كان حصيلة مسار مشترك، تداخل فيه العطاء المهني مع الدعم الأسري.
وعندما بلغ الحديث سنة 1977، توقف الشتيوي طويلا عند محطة مستشفى مولاي إسماعيل بمكناس، حيث عين حارسا عاما، وهي المسؤولية التي سيقضي فيها 27 سنة كاملة، إلى أن تقاعد سنة 2004.
قال الشتيوي إن مستشفى مولاي إسماعيل لم يكن بالنسبة إليه مجرد مقر للعمل، بل تحول مع مرور الوقت إلى جزء من حياته. فقد كان حاضرا في المؤسسة نهارا وليلا، ويتحمل مسؤولية تدبير شؤونها اليومية، ويعيش تفاصيلها الصغيرة والكبيرة.
وأشار إلى أنه كان يقيم في أحد المساكن المخصصة لموظفي المؤسسة، وهي البنايات التي ما زالت شاهدة إلى اليوم على تلك المرحلة. وأكد أن المكان حين يرتبط بالإنسان لسنوات طويلة، يتحول من مجرد جدران إلى ذاكرة حية.
وعن طبيعة المسؤولية التي كان يتحملها، أوضح الشتيوي أن المؤسسة كانت تضم أكثر من 200 من الأطر والعاملين، وهو ما جعل مهمة الحراسة العامة تتطلب حضورا دائما وقدرة على التدبير والاستماع والتدخل في الوقت المناسب.
واسترسل قائلا إن من أصعب المهام التي واجهها كانت تدبير الخلافات والنزاعات بين الموظفين. وكان حريصا، كما قال، على أن يعالج المشاكل بالحكمة والرزانة، وأن يستمع إلى جميع الأطراف قبل اتخاذ أي موقف، لأن المسؤول في نظره ليس من يزيد الأزمة تعقيدا، وإنما من يبحث عن مخرج لها.
ولعل هذا الأسلوب في التدبير هو الذي جعل عددا من المسؤولين يقدرون تجربته ويعتمدون عليه في تدبير شؤون المؤسسة.
وتوقف الشتيوي عند أسماء عدد من مناديب الصحة الذين عاصرهم خلال مساره، فذكر الدكتور باداك، والدكتور بوعمامة، والدكتور الإدريسي، والدكتور الشراط، والدكتور العابدي، ثم الدكتور مرزاق. كما استحضر عددا من الإداريين والمتصرفين الذين اشتغلوا معه أو عاصرهم، ومن بينهم الحاج الهواري،الحاج فاضل ، والفجر، وعبد الرحمان، والصادقي.
قال إن لكل واحد من هؤلاء موقعا في ذاكرته، وإن الحديث عنهم لا يستحضر الأشخاص فقط، وإنما يستحضر معهم مرحلة كاملة من تاريخ المؤسسة الصحية بمكناس، بما عرفته من أفراح وصعوبات وتحديات وعلاقات إنسانية.
وعن الوزراء الذين عاصرهم في مساره، ذكر الشتيوي الدكتور الرحالي، والسيد الطيب بن الشيخ رحمهما الله ، والدكتور العلمي، مشيرا إلى أن لهم جميعا صلة بمكناس من حيث الأصل أو الانحدار، وهو ما جعل علاقته بهذه الأسماء تحمل أيضا بعدا خاصا مرتبطا بالمدينة.
ولم يكن المسار المهني للشتيوي منفصلا عن العمل الاجتماعي والمدني، فقد انخرط في الدفاع عن المصالح الاجتماعية لموظفي الصحة، وكان ممثلا لهم بودادية الموظفين بمكناس، حيث أسهم في مشروع توزيع البقع الأرضية بحي البساتين، وهو المشروع الذي مكن عددا من مهنيي الصحة من بناء مساكنهم الخاصة.
كما خاض تجربة العمل الجماعي، وانتخب مستشارا بمجلس مدينة مكناس لولايتين متتاليتين، سنتي 1992 و1997، قبل أن يلتحق بديوان وزير الصحة، حيث عين ملحقا بالديوان، ثم مستشارا في التواصل بديوان الوزير.
لكن الحديث عن عبد الله الشتيوي لا يكتمل دون التوقف عند عشقه الآخر، الرياضة والتحكيم.
قال الشتيوي إن التحكيم كان بالنسبة إليه أكثر من هواية، فقد كان حكما فدراليا، متنقلا بين مختلف العصب، قبل أن ينتقل إلى مهام المندوب الجامعي ، ثم إلى مراقبة الحكام على المستوى الوطني.
واستعاد بهذه المناسبة أسماء عدد من الحكام الذين جمعته بهم الملاعب والسنوات، من بينهم أومينة ، بوكزول، والحجلي، والذكالي رحم الله من توفى ، وأطال الله في عمر الباقي . وقال إن التحكيم كان مدرسة أخرى في حياته، تعلم منها الانضباط والحياد وتحمل المسؤولية، كما فتح أمامه أبوابا واسعة للصداقة والتعارف.
وأكد أن المباراة تنتهي بصافرة الحكم، لكن الصداقة لا تنتهي بانتهاء المباراة، وهو ما يفسر استمرار علاقته بعدد من قدماء لاعبي النادي المكناسي الذين ظلوا أوفياء لهذه الصداقة الرياضية، وقاموا بزيارته والاطمئنان عليه.
وعن هذه الالتفاتات الإنسانية، عبر الشتيوي عن شكره وامتنانه لكل أفراد الأسرة الصحية، ولكل الجمعيات والأصدقاء الذين ظلوا قريبين منه، وخص بالذكر جمعية بصمة خير وجمعية مولاي إدريس الخلفي، وقدماء لاعبي النادي المكناسي، الذين قال إن زيارتهم له كانت ذات معنى خاص، بالنظر إلى الصداقة الرياضية التي جمعتهم به.
كما وجه شكره إلى جمعية متقاعدي الصحة بمكناس ورئيسها السيد مصطفى سعدان، على حفل التكريم الذي خصته به إلى جانب عدد من أصدقائه وزملائه في قطاع الصحة.
وقال إن ذلك التكريم لم يكن بالنسبة إليه مجرد مناسبة احتفالية، وإنما كان لحظة وفاء أعادت إليه وجوها وأسماء وذكريات سنوات طويلة قضاها داخل قطاع الصحة، وأكدت له أن العلاقات الإنسانية التي يصنعها الإنسان خلال مسيرته لا تنتهي بمجرد التقاعد.
وحين اقترب الحديث من نهاية الجلسة، عاد الشتيوي إلى مستشفى مولاي إسماعيل، وكأنه يريد أن يختم الحكاية من المكان الذي شكل الجزء الأكبر من حياته المهنية.
قال إن الإنسان عندما يقضي 42 سنة في خدمة مهنة واحدة، فإنه لا يغادرها بالكامل عند التقاعد. فالمهنة تظل حاضرة في ذاكرته، والأشخاص الذين عاش معهم تلك السنوات يظلون جزءا من حياته، والأمكنة التي احتضنت تفاصيلها لا يمكن أن تتحول بسهولة إلى مجرد ذكريات عابرة.
تقاعد عبد الله الشتيوي سنة 2004، بعد 42 سنة من الخدمة في قطاع الصحة، لكنه لم يتقاعد من الذاكرة ولا من علاقاته الإنسانية. فقد ترك وراءه تجربة مهنية غنية، وأجيالا ساهم في تكوينها، ومؤسسة صحية ارتبط بها لسنوات طويلة، وشبكة واسعة من الصداقات التي صنعتها المهنة والرياضة والتحكيم والعمل الجمعوي.
وهكذا ختم الشتيوي حديثه، في أحد أركان مقهى الكورنير بحمرية، المكان الذي اعتاد أن يلتقي فيه بأصدقائه بحضور الاسطورة حنادي حميدوش ويتبادلون أطراف الحديث، مسترجعين قصص الزمن الجميل، وذكريات الرياضة والتحكيم، وأخبار الزملاء والأصدقاء، وكأن المقهى أصبح امتدادا آخر لذاكرة الرجل.
وبين رشفة قهوة وأخرى، ظل الماضي حاضرا في حديثه؛ مستشفى مولاي إسماعيل، قاعات التكوين، الممرضون الذين مروا من بين يديه، المسؤولون والزملاء، الملاعب والحكام، ووجوه الأصدقاء التي لم تستطع سنوات التقاعد أن تمحوها.
إنها قصة ومسار عبد الله الشتيوي... رجل أمضى 42 سنة في خدمة "الوزرة البيضاء"، لكنه ظل، بعد التقاعد، يحمل في ذاكرته تفاصيل مهنة لم تكن بالنسبة إليه مجرد عمل، وإنما عمر كامل من العطاء.
















