مغرب المواطنة مدير النشر: خالد الرحامني / E-mail: info@mouatana.com
محسن الأكرمين يكتب عن: مكناس والسياسة التي قد لا ينتهي...
مغرب المواطنة2026-10-16 12:30:07
للمشاركة:

محسن الأكرمين يكتب عن: مكناس والسياسة التي قد لا ينتهي...

محسن الأكرمين يكتب عن: مكناس والسياسة التي قد لا ينتهي...

مدينة تسير على رؤوس أصابعها بلا ضجيج مفتعل للإثارة، لكنها تحدث الفوضى الخلاقة، وتنتعش من صيغة الإلهاءات والتنافرات السياسية والثقافية، وحتى العائلية السلالية. أولويات مكناس بكثرة التعداد باتت حتى هي تحتاج الى هندسة أولوياتها الأكثر إلحاحا، وبالترتيب المتحرك. نلحظ أن من جل أنشطة مدينة مكناس بالانغلاق والخمول والتكرار، تبدو المدينة مرتبة وبلا تزاحم بين الأيدي المتنافرة والمتصالحة على المصالح الذاتية. تبدو معظم التناقضات المطروحة بلا إزعاج على المستوى العمودي، مادامت مكناس تسكن ضمن مناطق ظل الراحة الأفقية، ولا تبحث عن تغيير يقتفي سياسة التمكين.
حين ينتهي نهار الشعب المنهك في قيض العيش الصعب، قد تنتهي فوارق المدينة العصية داخل صندوق الأحاجي، ومنها في الحفر الليلية الصاخبة، ويبقى النور الباهت آت من عمود إنارة متهالك يحكي لنا تدبير من تعاقبوا على كراسيها. إنه بحق يماثل سياسة "التَّخَرْبِيقْ" التي باتت سُنة مُعتادة الاستهلاك بمدينة الفصول الأربعة في يوم واحد.
"التَّخَرْبِيقْ" لم أجد غير هذه اللفظة الجاهزة بُدا، والتي تُعري كل الأجساد "المُخَربقَةِ" في السياسة والثقافة والفن والمنصات الرقمية، وفي غياب حسن قراءة الماضي، وفهم الحاضر تمهيدا لصناعة المستقبل بآلية متينة ورصينة. "التخربيقْ" حين نُحول جهلنا بماضي المدينة الى حقيقة ثقة بالخرافات الذهبية، ووعي خجول، ثم نُهاجم حقيقة مدينة راقدة في التنمية والكرامة، ونُحولها الى احتفاليات وصور ومنتديات فخمة، ونخلص أن" المدينة بألف خير...وما عواء النقد إلا معاكسة ضد التيار والبهرجة المليحة...".
يبقى مشهد "البُوهالي" مألوفا بالمدينة العتيقة لمكناس، والذي حتى هو يحمل هيبة التشرد والضياع، تُغنيه عن البدلة المكوية، وربطة العنق الإيطالية. في مشهد "البوهالي" الصوفي/ المثقف والسياسي النبيه، فقد قال أمامنا:" طاجين مكناس لا يحتاج حمل مشروع تنموي كبير... بقدر ما تحتاج المدينة إلى هذا الصاك...والذي يتسع لكل المصالح المشتركة...وكل الحلول الممكنة لحلم المشاريع الكبرى...".
والله إلى نِيتكمْ فيها (التَّناوِي) ورَميتموها على "مول صاك الانتخابات"، لكن ذكاء "الهداوي" الدرويش فَنَّدَ كل مزاعمنا الضيقة وقال:" قد لا أملك مشروع مدينة متكامل، ولكني عندي صاك الحكمة الذي قد قتل الحلاج قديما ..." وحين تم نفضه على أرض المدينة، تساقطت منه دراهم ملتصقة فيما بينها" أنا عَارَفْ آش تََنْقُولْ: إنهم أهم من البرامج، ومن الاستراتيجيات، ومن أولويات الأولويات... فحين تنازلتم عن هيبة مكناس الجهوية ضيعتم الضرع واللبن... وباتت المدينة تُماثل حضور الأيتام في جمع اللئام... وتفريخ غياب العدالة المجالية".
حقيقة مُتعبة تناولتنا بالتيه والتَّلف، ونحن في ذروة تجمعنا حول براد شاي " مريض" وبلا نعناع مكناسي نناقش التحالفات، وإحياء الهيكل العظمي للكتلة، وخسران الكوديم أمام الكوكب، وتعادلها أمام الوداد. هنا وصل جمعنا المصغر بأننا نشارك في نقاشات "التَّخربيق" وإصدار أحكام قيمة مطلقة ومبهمة (... فاذهب أنت وربك فقاتلا إنَّا ها هنا قاعدون/ قرآن كريم)، ونحن من منَّا لم يتوجه حتى إلى مكتب التصويت، ومن منَّا لم يقيد نفسه حتى في اللوائح الانتخابية.
بمكناس قد نُصبح من المحللين والخبراء و"فاهمين اللعبة"، لكنا لا زلنا نعيش بعقليات الجدات والأجداد ونستهلك أنشطة وسياسة "التَّخربيق" والشاي "المريض" بالمقاهى الوضيعة، وقد ننال من النادل دكتوراه فخرية في الحضور المداوم إلى عين المكان، والاستهلاك الرخيص لجيوبنا وعقولنا. في حين لم نلزم ذواتنا بإعطاء رأينا في زمن الحملة الانتخابية، ولم نقلْ بأن السياسي من رُواد "التَّخربيق" في تفخيم المصطلحات التي يصنع الهيبة لذاته ونفسه، وهو لا يلج منصة الخطابة إلا بمرافقة حراس أمن خاص شداد غلاظ.
عمل "البوهالي بو دَربالة" أفزعنا جميعا برجة مدوية، حين رمى "الصاك" أمامنا، ولم تتساقط منه تلك اللوائح الانتخابات المزيفة، بل دراهم جمعها عن طريق الاحسان. فكانت الحقيقة المرّة أمامنا، دليلا على أننا نحن مع تفاهة "التَّخربيق" الصريح. حينها استيقظنا من ضحكاتنا البلهاء بسرعة الغضب، وانتهت حفلة طاولة الشاي المريض (بدون نعناع ولا سكر) على سخرية الأحمق "البوهالي" الذي يريد أن يغير العالم ليتلاءم مع تصوراته المادية والذاتية، ونحن القاعدين نسعى لتغيير ذواتنا الطوباوية بالعقل والتفكير، لكي تتوافق وتطلعات متغيرات العالم المتحول!!!
تيقنا بأننا بالبلاهة والسلبية نطوف جلوسا بمقهى بئيس ولا يوازي حتى تاريخ ضئيل من مَجْمع مقهى "الكَرْنَكْ" النضالي. تعلمنا من "البوهالي" أن المدينة " باغية صَاكْهَا من المال العام...". فقد كان أثر تخليه عن دراهمه القليلة مرمية أرضا، ولم يعرها اهتماما لأنها لا تقدر على تغيير ملمح مكناس المهترئ عبر ماضي الزمن. اكتشفنا أن موضوعات ومهرجانات ابتسامتنا، ومعارضنا المستنسخة ما هي إلا من غباء "التخربيق" وتبديد المال العام الذي أصاب سياسة مكناس بالدعم والريع الحلال، ولم تقدر المدينة على تحويل هذا "التخربيق" إلى ذكاء اصطناعي يخدم المصلحة العامة بالانتعاش التنموي.
المهم أن "التَّخربيق" ناجح بمكناس ولائحة الرسوب التنموي تحمل "لا أحد"!!! قسما أن من فشل سياسة "التخربيق" يُمكن أن نصنع النجاحات بمدينة السلاطين، ومنه قد نقول: "حدث ولا حرج". لكن "البوهالي بو دربالة" أسقط عنَّا اليوم جميع كلَّ الأقنعة الملتصقة، حين كنا نُزين التفاهة والبلاهة وسياسة " التخربيق"، ونحن نَحتسي كأس شاي "مريض"، ونُنشط سلطة تفكير العقل البئيس، بينما كان "البوهالي" أحمق الصفة حكيما حين علمنا أن استهلاك "الهضرة" من تحت الجلباب، هي من تاريخ مكناس الجديد، والذي لا يصنع تنمية التغيير، بل يحدث ثقبا في خرقة المدينة الصاخبة بــ" بلا... بلا ... بلا ...".

محسن الأكرمين يكتب عن: مكناس والسياسة التي قد لا ينتهي...

 

مغرب المواطنة
للمشاركة: