مغرب المواطنة مدير النشر: خالد الرحامني / E-mail: info@mouatana.com
لماذا لم يعد وصول المغرب إلى ربع نهائي المونديال مفاجأة؟
مغرب المواطنة2026-07-06 10:18:44
للمشاركة:

لماذا لم يعد وصول المغرب إلى ربع نهائي المونديال مفاجأة؟

لماذا لم يعد وصول المغرب إلى ربع نهائي المونديال مفاجأة؟

لماذا لم يعد وصول المغرب إلى ربع نهائي المونديال مفاجأة؟

لم يعد تأهل المنتخب المغربي إلى ربع نهائي كأس العالم حدثا استثنائيا يقرأ بمنطق “المفاجأة”، بل أصبح مؤشرا على انتقال كرة القدم المغربية إلى مرحلة جديدة عنوانها الاستمرارية.

فبعد إنجاز مونديال قطر 2022، اعتقد كثيرون أن ما تحقق كان لحظة تاريخية يصعب تكرارها، لكن نسخة 2026 جاءت لتنسف هذه الفرضية وتؤكد أن المغرب دخل فعليا نادي المنتخبات القادرة على المنافسة الدائمة في أعلى المستويات.

إن تكرار الإنجاز في بطولتين عالميتين متتاليتين يحمل دلالة أكبر من الإنجاز نفسه؛ لأنه يكشف عن وجود مشروع رياضي متكامل لا يعتمد على جيل استثنائي أو مدرب بعينه، وإنما على منظومة مؤسساتية نجحت في تحويل التخطيط طويل المدى إلى نتائج ملموسة داخل المستطيل الأخضر.

ولعل أبرز ما يميز التجربة المغربية أنها انتقلت من سياسة البحث عن حلول ظرفية إلى بناء استراتيجية متكاملة انطلقت منذ أكثر من عقد، عقب الإخفاق في التأهل إلى مونديال 2010.

حينها لم يكن الهدف مجرد تغيير مدرب أو ضخ أسماء جديدة، بل إعادة صياغة النموذج الكروي المغربي بأكمله، من التكوين إلى التنقيب عن المواهب، مرورا بتأهيل المدربين وتطوير البنيات التحتية وتعزيز الحكامة الرياضية.

وقد أثمرت هذه الرؤية عن ولادة جيل جديد يجمع بين التكوين المحلي والاستفادة من الكفاءات المغربية في أوروبا، وهو ما منح المنتخب ثراء فنيا وتكتيكيا نادرا. فاللاعب المغربي اليوم لا يحمل فقط مهارات فردية عالية، بل يمتلك أيضا شخصية تنافسية وقدرة على التأقلم مع أعلى مستويات كرة القدم العالمية.

كما أن تغيير القيادة التقنية لم يؤثر في هوية المنتخب، وهو دليل آخر على قوة المشروع. فانتقال المسؤولية إلى محمد وهبي لم يغيّر فلسفة اللعب أو مستوى الأداء، بل حافظ المنتخب على شخصيته التنافسية، ما يؤكد أن المنظومة أصبحت أقوى من الأشخاص، وهي السمة التي تميز المدارس الكروية الكبرى في العالم.

ولا يمكن فصل هذا التطور عن الاستثمار الكبير في الفئات السنية والأكاديميات، حيث أصبح المنتخب الأول يتغذى باستمرار بمواهب شابة يتم إعدادها وفق رؤية موحدة، الأمر الذي يضمن تعاقب الأجيال دون حدوث فراغات فنية كما كان يحدث في السابق. لذلك لم يعد استدعاء لاعبين في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة من العمر أمرا استثنائيا، بل أصبح جزءا من سياسة تهدف إلى ضمان استدامة المشروع.

وفي المقابل، لعبت الجالية المغربية في أوروبا دورا محوريا في هذه النهضة، بعدما نجح المغرب في استعادة ثقة العائلات المغربية بالخارج، التي أصبحت ترى في المنتخب الوطني مشروعا احترافيا يوفر لأبنائها البيئة المناسبة للتطور والمنافسة على أعلى المستويات.

أما الجماهير المغربية، فقد تحولت بدورها إلى عنصر قوة حقيقي، بعدما أصبحت حاضرة في كل المحافل الدولية بأعداد قياسية، مانحة اللاعبين دعما نفسيا ومعنويا استثنائيا، حتى بات المنتخب يخوض مبارياته وكأنه يلعب فوق أرضه، وهو ما عزز شخصية الفريق في المواعيد الكبرى.

الأهم من كل ذلك أن التجربة المغربية بدأت تثير اهتمام اتحادات كروية خارج القارة الإفريقية، بعدما أصبحت نموذجا في كيفية بناء مشروع رياضي متكامل قائم على التخطيط والاستثمار في الإنسان، بدلا من الاكتفاء بالحلول السريعة والنتائج الآنية.

لهذا، فإن بلوغ ربع نهائي كأس العالم للمرة الثانية على التوالي لا يمثل سقف الطموح المغربي، بل يؤكد أن المنتخب انتقل من مرحلة صناعة المفاجآت إلى مرحلة صناعة المكانة.

فالمغرب لم يعد يشارك في كأس العالم بحثا عن تمثيل مشرف أو عبور تاريخي، بل دخل المنافسة وهو يحمل مشروعا واضحا وطموحا مشروعا لمقارعة القوى الكروية التقليدية على اللقب.

وبهذا المعنى، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد: كيف وصل المغرب إلى ربع النهائي؟ بل أصبح: إلى أي مدى يستطيع هذا المشروع أن يذهب إذا حافظ على نفس الرؤية والاستمرارية؟ فالتاريخ يؤكد أن الإنجازات الكبرى قد تتحقق مرة واحدة، أما تكرارها فلا يصنعه سوى التخطيط، وهو ما يبدو أن كرة القدم المغربية نجحت في ترسيخه.

 

مغرب المواطنة
للمشاركة: